ابن قيم الجوزية
8
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وهو الكفيل بإيضاح الحق مع غاية البيان ، وكلام من أوتي جوامع الكلم ، واستولى كلامه على الأقصى من البيان ؟ كلا ، بل هي واللّه فتنة أعمت القلوب عن مواقع رشدها ، وحيّرت العقول عن طرائق قصدها . يربّى فيها الصغير ، ويهرم فيها الكبير . وظنت خفافيش البصائر أنها الغاية التي يتسابق إليها المتسابقون ، والنهاية التي تنافس فيها المنافسون ، وتزاحموا عليها . وهيهات . أين السّهى من شمس الضحى ؟ وأين الثّرى من كواكب الجوزاء ؟ وأين الكلام الذي لم تضمن لنا عصمة قائله بدليل معلوم ، من النقل المصدّق عن القائل المعصوم ؟ وأين الأقوال التي أعلى درجاتها : أن تكون سائغة الاتّباع ، من النصوص الواجب على كل مسلم تقديمها وتحكيمها والتحاكم إليها في محل النزاع ؟ وأين الآراء التي نهى قائلها عن تقليده فيها وحذّر « 1 » ، من النصوص التي فرض على كل عبد أن يهتدي بها ويتبصر ؟ وأين المذاهب التي إذا مات أربابها فهي من جملة الأموات ، من النصوص التي لا تزول إذا زالت الأرض والسماوات ؟ هداية القرآن سبحان اللّه ! ماذا حرم المعرضون عن نصوص الوحي ، واقتباس العلم من مشكاته من كنوز الذخائر ؟ ! وماذا فاتهم من حياة القلوب واستنارة البصائر ؟ قنعوا بأقوال استنبطتها معاول الآراء فكرا ، وتقطعوا أمرهم بينهم لأجلها زبرا ، وأوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ، فاتّخذوا لأجل ذلك القرآن مهجورا . شرح درست « 2 » معالم القرآن في قلوبهم فليسوا يعرفونها . ودثرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها . ووقعت ألويته وأعلامه من أيديهم فليسوا يرفعونها . وأفلت كواكبه النيّرة من آفاق نفوسهم فلذلك لا يحبونها ، وكسفت شمسه عند اجتماع ظلم آرائهم وعقدها فليسوا يبصرونها . خلعوا نصوص الوحي عن سلطان الحقيقة ، وعزلوها عن ولاية اليقين . وشنّوا عليها غارات التأويلات الباطلة . فلا يزال يخرج عليها من جيوشهم كمين بعد كمين . نزلت عليهم نزول الضيف على أقوام لئام ، فعاملوها بغير ما يليق بها من الإجلال والإكرام . وتلقّوها من بعيد ، ولكن بالدفع في صدورها والأعجاز . وقالوا : ما لك عندنا من عبور ، وإن كان ولابد ، فعلى سبيل الاجتياز . أنزلوا النصوص منزلة الخليفة في هذا الزمان . له السكة والخطبة وما له حكم نافذ ولا سلطان ، المتمسك عندهم بالكتاب والسنة صاحب ظواهر ، مبخوس حظّه من المعقول . والمقلد للآراء المتناقضة المتعارضة والأفكار المتهافتة لديهم هو الفاضل المقبول . وأهل الكتاب
--> ( 1 ) فإن أئمة الهدى رضي اللّه عنهم قد نهوا الناس وحذروهم من تقليدهم في دين اللّه . وأمروهم بعرض كلامهم على نصوص كتاب اللّه وسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فإن وافق ، وإلا فليضربوا بكلامهم عرض الحائط . ( 2 ) تلاشت وانقرضت .